الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
16 ساعة مضت
الاسلام والحياة
19 زيارة
خامسا: التمثيل العملي:
التمثيل العملي يوصل المفاهيم والأفكار إلى العقول أو يقربها إليها، ويوصل القيم كذلك، والناس يتفاعلون مع المظاهر الحسية أكثر من المفاهيم النظرية، إضافة إلى ذلك فان التمثيل العملي يستشري في المجتمع أكثر فأكثر عن طريق الانتقال من لسان إلى لسان، ومن محفل لآخر.
ومن الأمثلة على ذلك قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، فحينما كسر الأصنام وضع المعول في رقبة صنم كبير، فلما جاء المشركون واجتمع الناس معهم: ﴿قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون﴾ (1).
وبهذه العملية استطاع إبراهيم عليه السلام ان يشككهم في معتقداتهم، حينما أيقنوا أن الأصنام لا تنطق ولا تضر ولا تنفع.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل بأرض قرعاء، فقال لأصحابه: ائتوا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه ، بعضه على بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فإن لكل شئ طالبا، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (2).
١) سورة الأنبياء: ٢١ / ٦٢ – ٦٤.
٢) الكافي ٢: ٢٨٨.
(٥٦)
وقد يدخل الفن والتمثيل المسرحي والسينمائي في هذه الوسيلة، لذا نجد ان أعداء الاسلام استخدموها للتشكيك في العقيدة الاسلامية وإشاعة الفساد الأخلاقي في مجتمعاتنا.
سادسا: الحوار:
الحوار من الوسائل المفضلة في أداء مسؤولية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبه يتم إيقاظ العقول والقلوب، وتحريك العواطف والمشاعر، وخصوصا لمن يبحث عن الحقيقة، فهو يساعد على معرفة مستويات المشاركين في الحوار، وما يطرحونه من شبهات فكرية وسلوكية، فيطالب المحاور غيره بالحجة والدليل، ويعلمه في الوقت نفسه طريقة الاستدلال الصحيح، ويأخذ عليه طريق الادعاء بلا بينة أو ببينة مضطربة.
وينبغي أن يكون الحوار في مفهوم أو موقف واقعي، لا في الألفاظ والتعاريف، وان يبدأ الحوار من القضايا المشتركة ثم إلى القضايا المختلف فيها.
والحوار وسيلة استخدمها جميع الأنبياء والمرسلين في مسيرتهم، كحوار نوح عليه السلام مع قومه، وإبراهيم عليه السلام مع النمرود، وموسى عليه السلام مع فرعون، وعيسى عليه السلام مع بني إسرائيل، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين من قريش ومن أهل الكتاب، ومع المسلمين أنفسهم، وأهل البيت عليهم السلام مع حكام زمانهم ومع أئمة المذاهب الأخرى.
وقد دعا القرآن الكريم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحوار مع الآخرين بطريقة
(٥٧)
﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (1) والحوار يختلف حسب اختلاف المعتقدات، فهو يتركز على المفاهيم والأفكار مع غير المسلمين، وعلى إثارة العواطف مع المسلمين الذين آمنوا بالاسلام فكرا وعاطفة وسلوكا.
فقد كان حوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع المشركين حول التوحيد والنبوة واليوم الآخر، أما حواره مع المسلمين فقد كان حول الممارسات العملية بإثارة عواطفهم اتجاه الأفكار والمفاهيم الاسلامية لتجسيدها في الواقع العملي، فحينما وزع صلى الله عليه وآله وسلم الأموال على المؤلفة قلوبهم، اعترض الأنصار وكثر الكلام، فحاورهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلا: أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم… لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار…، فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ربا ورسوله قسما (2).
سابعا: الاقتداء:
من الثوابت في حركة الناس أنهم يقتدون بمن له القدرة على التأثير على عقولهم وقلوبهم وإراداتهم، وأصحاب القدرة هم الشخصيات التي يحترمهم الناس، ويكرمونهم، ويبجلونهم، وهم الطبقة العليا في المجتمع، كالرؤساء والقادة وجميع من يتصدر المناصب الحساسة السياسية والدينية والاجتماعية.
١) سورة النحل: ١٦ / ١٢٥.
٢) صحيح البخاري ٤: ٣٧ باب مناقب الأنصار.
(٥٨)
والاقتداء بالأسلاف أكثر من الاقتداء بالطبقة العليا، لان الناس يتأثرون بالتراث الفكري والسلوكي لأسلافهم.
وإذا كانت الشخصية المؤثرة تتصف بصفات فريدة ونادرة فإنها تساعد على تشبه الناس بها في جميع المقومات إلى أن يصل الامر إلى التشبه بها في المظاهر الخارجية كاللباس وطريقة العيش.
ويمكن للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يقوم بواجبه من خلال دعوته الصامتة ليقتدي به المجتمع في أقواله وأفعاله، إن كان يملك الموقع الذي يؤهله للتأثير.
فحينما يجد أفراد المجتمع القدوة الصالحة فإنهم يقتبسون منه ما يمارسه من أعمال وأفعال، ويتشبهون به، ويحاكونه في سيرته ليصبح الاقتباس والتشبه والمحاكاة تقليدا، في علاقته بالله تعالى، وفي ارتباطه بالقرآن وولائه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، وفي زهده وتقواه وتواضعه وصدقه وايثاره.
قال الامام أمير المؤمنين عليه السلام: من نصب نفسه للناس إماما، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه (1).
وكلما ازداد عدد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، حتى إذا كانوا أمة وجماعة، فإن الاقتداء بهم سيكون آكد وأشد.
وخير أسلوب لتعميق الاقتداء هو الترويج المتزايد والمستمر لسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام والسلف الصالح من أتباعهم.
١) شرح نهج البلاغة ١٨: ٢٢٠.
(٥٩)
المبحث الثاني مراحل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر المرحلية سنة تاريخية أودعها الله تعالى في الكون والحياة والمجتمع، فكل أمر وظاهرة لا تتم إلا عن طريق المراحل، والتدرج في النشوء، والتكوين، والترعرع، والاستمرار في الوجود باتجاه السمو والارتقاء.
والامر بالمعروف والنهي عن المنكر يخضع لهذه السنة، فقد قام بأدائه الأنبياء والمرسلون على مراحل من حيث اللين والشدة، والاندفاع والانكماش، والأساليب والوسائل.
وتختلف مظاهر المرحلية باختلاف الظروف التي يعيشها المجتمع من حيث درجات القرب والبعد عن المفاهيم والقيم الاسلامية وباختلاف الامكانيات والطاقات التي تملكها الأمة والجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وباختلاف المؤهلات التي يتصف بها المنضوون تحت لوائها، وطبيعة الانحراف الذي تواجهه، وخصائص المخالفين والمعارضين – للامر بالمعروف والنهي عن المنكر – كما ونوعا، إضافة إلى الزمن المستغرق في أداء التكليف للوصول إلى الهدف.
وسنستعرض مراحل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ضمن مجموعتين هما:
أولا: المراحل الوقائية:
ويتم العمل بها ابتداء، بدعوة غير المسلمين إلى الاسلام، أو دعوة المسلمين إلى التمسك بما آمنوا به من مفاهيم وقيم، ومن خلالها يتم
(٦٠)
2025-08-29